ابن العربي
222
أحكام القرآن
وكذلك روى ابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وابن القاسم عن مالك أنه الأب في ابنته البكر ، والسيّد في أمته ؛ لأن هذين هما اللذان يتصرّفان في المال وينفذ لهما القول . فإن قيل : إنما يتصرّف الولىّ في المال بما يكون حظّا لابنته ، فأما الإسقاط فليس بحظّ ولا نظر . قلنا : إذا رآه كان ؛ فإنا أجمعنا على أنه لو عقد نكاحها بأقلّ من مهرها نفذ ؛ وهذا إسقاط محض ، لكنه لما كان نظرا مضى . فإن قيل : فهو عامّ في كل ولىّ ، فلم خصصتموه بهذين ؟ قلنا : كما هو عامّ في كل زوجة وخصّ « 1 » في الصغيرة والمحجورة . وأما متعلّق من قال : إنه الزوج فضعيف ، أمّا قولهم : إنّ اللّه سبحانه ذكر الأزواج في الآيتين اللتين استشهدوا بهما فقد ذكر الولىّ في هذه الآية ، فجاءت الأحكام كلّها مبينة والفوائد الثلاثة معتبرة ، وعلى قولهم يسقط بعض البيان . وأما قولهم الثاني فلا حجّة فيه ، لأنّ مجيء العفو بمعنى واحد من الجهتين أبلغ في الفصاحة وأوفى في المعنى من مجيئه بمعنيين ، لأنّ فيه إسقاط أحد العافيين ، وهو الولىّ المستفاد إذا كان العفو بمعنى الإسقاط . وأما ندب الزوج إلى إعطاء الصّداق كله في الآيتين اللتين ذكروا فذلك معلوم من دليل آخر . وأما الثالث فلا حجة لهم فيه ؛ لأنّ اللّه تعالى أراد أن يميّز الولىّ عن الزوج والزوجة بمعنى يخصّه ، فكنى عنه بقوله تعالى : الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ بكناية مستحسنة ، فكان ذلك أبلغ في الفصاحة ، وأتم في المعنى ، وأجمع للفوائد . وأما الرابع وهو قوله تعالى : وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ وتعلّقهم بأنّ الإفضال لا يكون بمال أحد ، وإنما الإفضال يكون بأحد وجهين : أحدهما يكون ببذل ما تملكه يده . والثاني بإسقاط ما يملك إسقاطه ، كما يتفضل عليه بأن يزوّجه بأقلّ من مهر المثل . المسألة الثامنة - هذه الآية حجّة على صحّة هبة المشاع ، لأنّ اللّه تعالى أوجب للمرأة بالطلاق نصف الصداق ، فعفوها للرجل عن جميعه كعفو الرجل ، ولم يفصل بين مشاع ومقسوم .
--> ( 1 ) في ا : خص .